خليل الصفدي
148
أعيان العصر وأعوان النصر
وأجلى إشارة ، وما سألته عن شيء في وقت من الأوقات عما يتعلق بعلوم الحكمة من المنطق ، والطبيعي ، والرياضي ، والإلهي إلا وأجاب بأحسن جواب كأنه كان في بارحته يطالع في تلك المسألة طول الليل . وقرأت عليه « رسالة الاستبصار فيما يدرك بالأبصار » ، وهو كتاب صغير في علم المناظر تصنيف الشيخ شهاب الدين القرافي الأصولي المالكي « 1 » فحل كلامه ، وواخذه في أشياء . وأما الطب فإنه كان فيه إمام عصره ، وغالب طبه بخواص ، ومفردات يأتي بها إلى المريض ، وما يعرفها أحد لأنه يغير كيفيتها ، وصورتها حتى لا تعلم ، وله إصابات غريبة في علاجه . وأما الأدب ، وكان فيه فريدا يفهم نكته ، ويذوق غوامضه ، ويستحضر من الأخبار ، والوقائع للناس قاطبة جملة كبيرة فحفظ من الشعر شيئا كثيرا إلى الغاية للعرب ، والمولدين ، والمحدثين ، والمتأخرين ، والعصريين . له في الأدب تصانيف ، وكان يعرف العروض ، والبديع جيدا ، ولم أر مثل ، وأما عبارته الفصيحة الموجزة الخالية من الفضول فما رأيت مثلها . قال لي شيخنا الحافظ فتح « 2 » : ما رأيت من يعبر عما في ضميره بعبارة موجزة مثله . انتهى . ولم أر أمتع منه ، ولا أفكه من محاضرته ، ولا أكثر اطلاعا منه على أحوال الناس ، وتراجمهم ، ووقائعهم ممن تقدم ، وممن عاصره . وأما أحوال الشرق ، ومتجددات التتار في بلادهم في أوقاتها فكأنها كانت القصاد تجيء إليه ، والملطفات تتلى عليه بحيث إنني كنت أسمع منه ما لم أطلع عليه في ديوان الإنشاء عند كاتب السر . وأما الرقى ، والعزائم فيحفظ منها جملا كثيرة يسردها سردا ، وله اليد الطولى في الروحانيات ، والطلاسم ، وإخراج الخبايا ، وما يدخل في هذا الباب ، وله اليد الطولى ، والباع المديد في معرفة الأصناف من الجواهر ، والقماش ، والآلات ، وأنواع العقاقير ، والحيوانات ، وما يحتاج إليه البيمارستان المنصوري لا يشترى شيء ، ولا يدخل البيمارستان إلا بعد عرضه عليه فإن أجازه اشتراه الناظر ، وإن لم يجزه لم يشتر البتة ، وهذا اطلاع كثير ، ومعرفة تامة فإن البيمارستان يريد كل ما في الوجود مما يدخل في الطب ، والكحل ، والجراح ،
--> ( 1 ) شهاب الدين هو : أحمد بن إدريس القرافي : توفي سنة 682 ه . ( انظر : الوافي بالوفيات : 6 / 233 ، والكشف : 1 / 77 ) . ( 2 ) سبق الإشارة إليه .